الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

72

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

والقول الذي نادى به هو تذكير قومه بمعتقدهم فيه فإنهم كانوا يعتبرون ملك مصر إلها لأن الكهنة يخبرونهم بأنه ابن ( آمون رع ) الذي يجعلونه إلها ومظهره الشمس . وصيغة الحصر في أَنَا رَبُّكُمُ لردّ دعوة موسى . وقوله : فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلى بدل من جملة فَنادى بدلا مطابقا بإعادة حرف العطف ، وهو الفاء لأن البدل قد يقترن بمثل العامل في المبدل منه لقصد التأكيد كما في قوله تعالى : وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِها قِنْوانٌ دانِيَةٌ وتقدم في سورة الأنعام [ 99 ] . ويجوز أن تكون جملة : فَقالَ أَنَا رَبُّكُمُ عطفا على جملة يَسْعى على أن يكون فرعون أمر بهذا القول في أنحاء مملكته ، وليس قاصرا على إعلانه في الحشر الذين حشرهم حول قصره . فوصف نفسه بالرب الأعلى لأنه ابن ( أمون رع ) وهو الرّب الأعلى ، فابنه هو القائم بوصفه ، أو لأنه كان في عصر اعتقاده : أن فرعون رب الأرباب المتعددة عندهم فصفة الْأَعْلى صفة كاشفة . [ 25 ، 26 ] [ سورة النازعات ( 79 ) : الآيات 25 إلى 26 ] فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى ( 25 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَعِبْرَةً لِمَنْ يَخْشى ( 26 ) جملة فَأَخَذَهُ اللَّهُ نَكالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولى مفرعة عن الجمل التي قبلها ، أي كان ما ذكر من تكذيبه وعصيانه وكيده سببا لأن أخذه اللّه ، وهذا هو المقصود من سوق القصة وهو مناط موعظة المشركين وإنذارهم ، مع تسلية النبي صلى اللّه عليه وسلم وتثبيته . وحقيقة الأخذ : التناول باليد ، ويستعار كثيرا للمقدرة والغلبة كما قال تعالى : فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ [ القمر : 42 ] وقال : فَأَخَذَهُمْ أَخْذَةً رابِيَةً [ الحاقة : 10 ] . والمعنى : فلم يفلت من عقاب اللّه . والنكال : اسم مصدر نكّل به تنكيلا وهو مثل : السّلام ، بمعنى التسليم . ومعنى النكال : إيقاع أذى شديد على الغير من التشهير بذلك بحيث ينكّل ، أي يرد ويصرف من يشاهده عن أن يأتي بمثل ما عومل به المنكّل به ، فهو مشتق من النكول وهو النكوص والهروب ، قال تعالى : فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها في سورة البقرة [ 66 ] . وانتصب نَكالَ على المفعولية المطلقة لفعل « أخذه » مبين لنوع الأخذ بنوعين منه لأن الأخذ يقع بأحوال كثيرة .